محمد غازي عرابي
914
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
وفي مستوى المشاعر يستوي زيد وعمرو ، ولقد قلنا ما قالته العرب إن لذة الثوب يوم ، فالحقيقة أن زينة الغنى لا يراها إلا الفقير ، كما أن الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى ، والعادة غلبت السعادة ، وسرقت مباهجها ، وصوحت أزهارها ، وجعلتها هي والأشواك سواء ، فالإنسان واحد في مشاعره سواء أكان غنيا أو فقيرا ، كبيرا أو صغيرا ، وما الناس إلا ممثلون يؤدون الأدوار التي كتبتها الأقدار ، والإنسان حين بدأ رحلته من الغار والغابة ، وسكن الدور والقصور ، وركب السيارة والطيارة ، هذا الإنسان ظل هو هو ما تغير منه شيء ، وها نحن نرى إنسان القرن العشرين تعسا محزونا وصفت الفلسفة الوجودية عالمه بأنه السأم والغثيان . وقال سبحانه مخاطبا نبيه : وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى ( 131 ) [ طه : 131 ] . فالغني سجين غناه ، وما هو بقادر على الخروج من سجنه ، وهو أسير هذا العالم الذهبي الذي هو على الحقيقة قفص من ذهب ، ولقد عرفت الصوفية هذه الحقيقة ففروا من الغنى وعبوديته وأذاه ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( اللهم اجعل رزق أمتي كفافا ) ، وقال : ( اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين ) . [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 53 إلى 61 ] قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 53 ) وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ( 54 ) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ( 55 ) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ( 56 ) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ( 57 ) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 58 ) بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ ( 59 ) وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ ( 60 ) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 61 ) [ الزمر : 53 ، 61 ] المذنبون النادمون التائبون يسرفون على أنفسهم أحيانا خيفة العاقبة ويوم الحساب يوم لا تملك نفس لنفس شيئا ، وتذكر الآية هؤلاء بأن اللّه غفور رحيم . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( كل من قال لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه دخل الجنة ) ، فتساءل أبو ذر : حتى وإن زنى وإن سرق يا رسول اللّه ؟ قال : ( حتى وإن زنى وإن سرق ) ، وكررها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ثلاثا ، وقال أيضا : ( لئن لم تخطئوا وتستغفروا لجاء اللّه بقوم يخطئون ويستغفرون فيغفر اللّه لهم ) . وقال : ( كل ابن آدم خطاء وخير الخاطئين التوابون ) .